لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
اللهمّ فاطرَ السمواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، لا إله إلا أنتَ ربّ كل شيءٍ ومليكه، أعوذ بك من شرِّ نفسي، ومن شرِّ الشيطان الرجيمِ وشركه، وأَن أَقْتَرِفَ على نفسي سُوْءاً أو أَجُرَّهُ على مسلم ...
من يقدّم الإسلام ؟ PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب فضيلة الشيخ سعد الغامدي   
alt

كثر في الآونة الأخيرة دعاة يتحدثون باسم الإسلام ، ويقدمونه للناس بأسماء مختلفة، فتارة إسلاماً تحررياً وتارة إسلاماً وسطياً وتارة إسلاماً صوفياً وآخر إسلاماً جهادياً، وأصبحت الساحة مفتوحة لكل الناس، فلا عجب إذن أن ترى فناناً تائباً أو مغنياً تائباً يقدم الإسلام من وجهة نظره الشخصية من خلال برنامج فضائى أو من خلال الكتاب والمقال، والأعجب من ذلك أن يقبل الناس على سماع مثل هؤلاء بشغف ويتقبلون آراءهم بكل رحابة صدر ، وخاصة فيما يتعلق بالأحكام أو بالمواقف المصيرية للأمة .

 

- أحد البرامج : الذي يقدمه أحد الفنانين التائبين، يخرج في قناة فضائية يناقش قضايا إسلامية كبرى في جلسة حوارية شاعرية مختلطة .. وحين سئل مدير القناة ذات الطابع الإسلامى ألم تجدوا رجلاً كفئاً يقدم القضايا ويطرحها للحوار بدلاً من هؤلاء؟ قال : وماذا أصنع !! إن أعلى نسبة مشاهدة في القناة هو لهذا البرنامج . !!

 

إذن أصبح المشاهد هو الذى يرجح كفة الميزان وليس الأهلية ، وأصبح الفنان التائب والممثل التائب الذي لا يملك من مقومات العلم والمعرفة والدعوة والذي خرج  للتو من الوسط الفني الغارق في الغثائية والسطحية  هو الذي يقدّم ويتصدر بحجة أنه فنان أو ممثل تائب!! ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (الزمر/9).

- أحد الدعاة : على الساحة يزعم أنه يقدم إسلاماً وسطياً فهو يُشَاهَد في حفلات مختلطة ويفتى وينصح الممثلات بالبقاء في أعمالهم لخدمة الإسلام من خلال التمثيل - الذي يعج بالاختلاط والقبلات والنظرات - ويعلن  صراحةً أنه يتابع الأفلام والمسرحيات ثم بعد ذلك يقول نحن نقدم إسلاماً وسطياً .!! ولا أدري أي إسلام وسطي يبيح كل ذلك الغثاء حتى ولو باسم التخفيف من الحرام الكثير !! أو التدرج في الإنكار !! أو غير ذلك من الحجج الغريبة التي لا يفتي بها إلا عالم خبير ..

 

- وداعية آخر : يتمايل على أنغام الموالد ويفتى بجواز التوسل بالقبور والأولياء ودعائهم من دون الله ويرى أن الأولياء لديهم القدرة على خلق الأجنة في الأرحام ثم بعد هذا يكون له العدد الغفير من الأتباع والمريدين الذين اغتروا بالمظهر وأهملوا العلم والمخبر .!!

 

أنا لا أزهد في سماع الخير من كل أحد فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم " الكلمة الحكمة ضالة المؤمن ، فحيث وجدها فهو أحق بها " (1). ولكن ابتلي المسلمون في هذا العصر بنماذج من الدعاة ، لا يعرفون من الإسلام إلا نزراً يسيراً ، لم يتخرجوا من مجالس العلم ولا أثنوا ركبهم عند العلماء ، وإنما قرأوا الإسلام من خلال الكتب ، وحكموا أفهامهم فيما يحتاج فيه إلى متخصص ، والدليل على ذلك أنهم برزوا في مراحل الشباب الأولى .... وقد تقرر عند أهل العلم أنه لا يتصدى لمجالس العلم إلا بعد أن يقطع زمناً طويلاً في طلب العلم وتزكية النفس، فالعلم بلا تقوى غرور والتقوى بلا علم ضلال .

يجب ألا نغتر بالكلمات الفصيحة والأسلوب المؤثر فهى لا تغنى من الحق شيئاً، ولم تكن يوماً دليلاً على الحق ، هل كان أحد مثل الخوارج في العبادة والزهد !! ومع ذلك كانوا من أجهل الناس ، سفكوا الدم الحرام وخرجوا على علي وعثمان، وأفتوا لأنفسهم فتاوى فاسدة ...

إن بعض الناس اليوم أصابهم الانبهار بالشكل والمظهر، ولو أن أحدهم سمع مقالةً فرجع إلى أهل العلم الثقات لاتضح له الحق وزال اللبس، ولكن حين تؤخذ الكلمات من غير أهلها على أنها مسلمات ، حينها يقع الخلل ويعم الجهل.

 

إن من أهم أسباب بروز مثل هذا النموذج من الدعاة ، يرجع إلى عدة أسباب من أهمها :

 

أولاً: تأخر العلماء وطلبة العلم عن الخروج لدعوة الناس لبيان حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ،

 

فالعلماء وطلبة العلم يتحملون جزءاً كبيراً من المشكلة ، نعم نحتاج مع العلم الأسلوب الحسن وتلمس حاجات الناس ومعرفة واقعهم ، ولكن إن تأخر العلم تقدم الجهل وإن تراجع العالم تصدر المبتدع والجاهل ، والزمن زمن إعلام .

 

يقول العلامه الشيخ بكرأبو زيد رحمه الله تعالى : " إن انحرافات المفاهيم والأخلاق وتموجات الإعتقاد إنما تبلغ في الأمة مبلغها وفى عقول نشئها ، بسبب تأخر العلماء عن أداء مهمة البلاغ وتغذية العقول بالعلم النافع وهذه هى الوظيفة الرئيسية لأهل العلم والإيمان ولهذا فإن المتخلف عن أداء واجب وظيفته هذه يحمل من الإثم بقدر تخلفه ".

 

متى تصل العطاش إلى ارتواء           إذا استقت البحار من الركايــــا

ومن ثنى الأصاغر عن مـــراد            وقد جلس الأكابر في الزوايـــا

وإنّ ترفّع الوضعاء يومــــــــاً            على الرفعاء من إحدى البلايا

إذا استوت الأسافل والأعالـــى             فقد طابت منادمة المنايــــــــــا

 

 

ثانياً : الانبهار الإعلامي ،

 

وهو ما يصنعه الإعلام من التلميع والترميز لأصناف من الدعاة دون مراعاة لأهليتهم إذ لا يهم لديهم إلا السبق الإعلامي والكسب المادي، وعلى هذا يفتى من ليس أهل للإفتاء ويتكلم في قضايا الأمة الجاهل من الناس ، ويتحدث في مصير الأمة من ليس له الأهلية والأحقية .

 

إنني أتساءل .. من الذي يملك الحق لأن يتحدث باسم الإسلام ؟؟!!

 

ثالثاً : غياب التخصص ،

 

إن الإسلام يحترم التخصص ، فلو التزم كل داعية أوتى علماً فيما يعلم في مجال تخصصه لأراح واستراح ، ثم إنه يجب التفريق بين العالم والواعظ وبين المفتى وطالب العلم وبين المفكر والداعية حتى يدرك المسلم من يخاطب وإلى من ينصت ، فقد يكون الداعية واعظاً ولا يكون عالماً وقد يكون مفتياً ولا يكون مفكراً ، ونجد دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى ( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (النساء/83) وهذا الآية كما قال بعض المفسرين دليل على اعتناء الإسلام بالتخصص .

 

نقل المروذي : " أن رجلاً تكلم بكلام أنكره عليه الإمام أحمد ، فقال : يا هذا من حبّه الدنيا يسأل عن الشئ الذى لا يحسن فيحمل نفسه على الجواب " .

 

ويقول محمد بن سيرين رحمه الله : " لأن يموت الرجل جاهلاً خير له من أن يقول ما لا يعلم " . ويقول الإمام مالك رحمه الله : " ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أنى أهل لذلك " . وبكى ربيعة رحمه الله : " فقيل : ما يبكيك ؟ فقال : أستفتى من لا علم له ، وظهر في الإسلام أمر عظيم ،   وقال : ولبعض من يفتى ها هنا أحق بالسجن من السارق " .

 

وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمر العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالماً ، اتخذ الناس رؤوسا جهالاً، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا ، وأضلوا " (2).

وقال صلى الله عليه وسلم " إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر " (3).

 

ويقول بن القيم رحمه الله : " وقد حرم الله سبحانه القول عليه بلا علم في الفتيا والقضاء ، وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها فقال تعالى ( قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (الأعراف/33) فرتب المحرمات أربع مراتب ، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش ثم ثنى بما هو أشد تحريماً وهو الإثم والظلم ثم ثلث بما هو أعظم تحريماً منها وهو الشرك به سبحانه ثم ربع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفى دينه وشركه " .

 

وفى حديث عظيم الوقع على النفس ، عن أبي الدرداء قال " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشخص بصره إلى السماء ثم قال : ( هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء ) فقال زياد بن لبيد الأنصاري : كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا ؟ قال ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة ، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم ؟ " (4).

 

من يقدم الإسلام ؟..... سؤال كبير في هذا العالم المتغير، ولكن جوابه عند العلماء الربانيين وطلبة العلم المتخصصين، ولا يعنى هذا الحجر على الناس في الحديث والبلاغ والتعريف بالإسلام، ولكن بعد العلم به وقد قال صلى الله عليه وسلم " بلغوا عني ولو آية " (5) أي بعد معرفتها والعلم بمدلولها .

 

نسأل الله جل جلاله أن يحفظ علينا دينه وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروا إنه هو الغفور الرحيم

 

----------------------------------------------------------------------------------

(1) الجامع للترمذي ( 2687 )                     (2) البخاري ( 100 )

(3) شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ( 102 )

(4) الجامع للترمذي ( 2653 )                      (5) جاء ذلك في حديث رقم ( 3461 ) في صحيح البخاري



 
التعليقات (4)Add Comment
...
أرسلت بواسطة وسيلة, 12 23, 2010
اللهم انا نسألك الهدى والتقى والعفو والعافية
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه
صح لسانك يا شيخنا
أهؤلاء هم دعاة على ابواب جهنم؟؟؟
...
أرسلت بواسطة nivin norway, 01 18, 2011
احس أننا كمسلمين مغتربين نفتقد اكثر.. حتى إن عندنا لا يوجد رجل دين ملتزم نستطيع أن نسأله أو نستشيره في أمر من أمور الدين والدنيا.. أسأل الله أن يصلح حال المسلمين في كل بقاع الأرض وأن يجازي الشيخ والقارئ سعد الغامدي خير الجزاء دنيا وآخره لأني أحس أن مقالاته وخطبه هو تفسير وشرح كتاب الله وسنة نبينا الكريم عليه افضل الصلاة والسلام
...
أرسلت بواسطة إيماان, 01 18, 2011
صدقت ياشيخ والله
بارك الله فيك
...
أرسلت بواسطة ابو معاذ رامي المصري , 04 27, 2011
بارك الله في الشيخ ونفع به وأشهد الله اني احبة في الله

أضف تعليق
تصغير مساحة الكتابة | تكبير مساحة الكتابة

security code

( لغير المسجلين ): الرجاء إدخال الحروف المبينة في الأعلى ...


busy