لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
اللهمّ فاطرَ السمواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، لا إله إلا أنتَ ربّ كل شيءٍ ومليكه، أعوذ بك من شرِّ نفسي، ومن شرِّ الشيطان الرجيمِ وشركه، وأَن أَقْتَرِفَ على نفسي سُوْءاً أو أَجُرَّهُ على مسلم ...
مراتب الحياة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب فضيلة الشيخ سعد الغامدي   

جاءني رجل صحيح البدن، سليم العقل ، يشكو حالاً عجيبة ، تدل على نفس مأسورة ، وفطرة منكوسة ، وعلى أن الأمر عنده بلغ منتهاه ، والشيطان قد أخذ حظه منه وأرداه ....

 

فما هى المشكلة التى يشكو منها ؟؟

 يقول متحدثاً عن نفسه : " إنني أخرج إلى الصلاة  لأشهد صلاة الجماعة فى المسجد ، وإذا بلغت باب المسجد ، ضاقت نفسى وأصابنى الهم والحزن والإكتئاب ، ثم أرجع من فم باب المسجد ولا أشهد الصلاة ، عائداً إلى بيتي حزيناً كسيراً باكياً ، أصلى فى البيت كالنساء !! "

 

ورجل آخر فى العقد الخامس من العمر يشكو حاله فيقول : " إذا حملت المصحف بين يدي لأقرأ آيات من القرآن ، أجدنى أصاب بدوار فى رأسى وصداع وتثاؤب ، ثم ما هى إلا لحظات وأضع المصحف وأترك القراءة التي عزمت عليها ، وأقوم لأنشغل بأمر آخر !! "

 

وهذا شاب يقول : " كنت يوم ما متديناً ، محافظاً على صلواتى ، لا أترك القرآن ولا الأذكار ، وأفعل الخير ما وسعنى جهدى وطاقتى ، أدعو إلى الله على علم وبصيرة ، ومضى بى الزمان ونالني ما نالني من ضعف فى إيمانى ، وقصور فى عبادتى ، حتى غدوت أتهاون فى صلاتى ، فلم أعد أقرأ القرآن إلا يوم الجمعة ، وبدأت أطيل النظر إلى القنوات الفضائية ، فأرى عالماً من الفتنة لم تعهده نفسي ، حتى غدا عندى الحرام مباحاً ، وتبدل حالى وانهزمت نفسي ، وما عدت بذاك الذى كان الإيمان فى قلبه شعلةً لا تنطفئ وهمة لا تخبو .. ثم زفر زفرة مكلوم ، وودعني والحزن يغشا وجهه ويعلو محياه !! "

 

إنها صور متكررة نشاهدها كل يوم ، من إيمان عميق إلى ضعف سحيق ، من همة جبارة إلى همه خَّوارة ، من حركة وعمل دؤوب فى الخير ، إلى مثلها فى الشر ، ما السبب ؟؟ !!

 

........ إنها الحياة ..

 

....... حياة القلب أو موته ..

 

 إن الله تعالى يقول ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام/122).

 

والمعنى : أومن كان ميت القلب بعدم العلم والهدى والإيمان ، فأحياه الله بروح معرفته ومحبته وتوحيده ، وجعل له نوراً من اليقين والحكمة والإيمان ، كمن مثله فى ظلمات الشرك والجهل لا يخرج منها .

 

وفى مثل ميت القلب هذا ، يقول الله تعالى ( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) ( النمل /80 ) ولقد سمّى الله وحيه الذى أنزله على عباده روحاً ، لأن الوحى يحصل به حياة القلوب ، قال الله تعالى ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ) (الشورى/52) .

 

ويقول جل فى علاه ( يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ) (النحل/2) ولهذا من فقد هذه الروح ، فَقَدْ فَقَدَ الحياه الطيبة في الدنيا والآخرة ، والحياة الطيبة هي التي عناها الله تعالى بقوله ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) (النحل /97 )

 قال ابن القيم رحمه الله : " هى حياة القلب ونعيمه وسروره ، بالإيمان والمحبة والإنابة والتوكل على الله ، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها ، ولا نعيم فوق نعيمه ، إلا نعيم الجنة "

 

والحياة الطيبة تكون فى ثلاث مواطن ، فى الدنيا وفى البرزخ وفى الآخرة.

 

- أما فى الدنيا : فهى الأنس بالله وبتوحيده ومعرفته وعبادته وذكره.

- وأما فى البرزخ : حين يوضع فى قبره وتأتيه الملائكة لتبشره بمكانه فى الجنة ، حتى إنه من فرحه وسروره ، يقول : ربى أقم الساعة كي ما أرجع إلى أهلى وولدى فأبشرهم.

- وأما الحياة الطيبة فى الآخرة : فحين تغلق أبواب الجنة على أهلها ، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

 

حتى لا يتوقف عطاء المؤمن ، ولا ينضب عمله وهمته ، فيجب عليه أن يعرف المادة التي يحيا بها القلب ، وما هى مراتب الحياة التي تتغذى عليها ؟ وبفقدها يضعف ويموت.

 

ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن مراتب الحياة متوقفة على مجموعة من العناصر ، وهي كالتالي :

 

أولاً / حياة العلم :

 

فإن القلب لا يحيا بدون العلم ، فالجهل موت لأصحابه ، وفى الجهل قبل الموت موتُ لأهله وأجسامهم قبل القبور قبورُ وأرواحهم في وحشةٍ من جسومهم فليس لهم حتى النشور نشورُ فالجاهل ميت القلب والروح وإن كان حيّ البدن ، فجسده قبر يمشى على الأرض ، وقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله فى كتاب الزهد من كلام لقمان لابنه قال له : يا بني ، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ، فإن الله يحي القلوب بنور الحكمة ، كما يحي الأرض بوابل المطر .

 

وقال معاذ بن جبل رحمه الله " تعلموا العلم ، فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عباده ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه ، وبذله لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام ومنار السبيل لأهل الجنة وهو الأنس في الوحشة والصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء والسلاح على الأعداء والزين عند الأخلاء يرفع الله به أقواماً فيجعلهم فى الخير قادة ، وأئمة تقتص آثارهم ، ويقتدى بأفعالهم ، وينتهى إلى آرائهم ، ترغب الملائكة فى خلَّتهم ، يستغفر لهم كل رطب ويابس ، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه ، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء " (1) .

 

كل هذا هو مقام العلم عند معاذ بن جبل رضى الله عنه ، وإذا أراد المؤمن الحياة لقلبه فيسلم من الموت فليلزم العلم ، والعلم هو علم الكتاب والسنة ، حفظاً وفهماً وقراءةً ومجالسةً وسؤالاً ، وأعظم أنواع العلم معرفة الله جل جلاله بأسمائه وأفعاله ، وما تحصل به النجاه للعبد ، قال تعالى ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) (المجادلة /11) فالعلم أول مادة لحياة القلب فالزمه وتعلمه.

 

ثانياً / ومن مراتب الحياة ، حياة الهمة والإرادة :

 

فضعف الهمة من ضعف حياة القلب ، وكلما كان القلب أتمَّ حياة كانت همته أعلى ، وإرادته ومحبته أقوى ، فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمه العالية ، والمحبة الصادقة .

 

·    لماذا لا يقوى على التغيير من همته وإرادته ضعيفة ؟ لأن حياة قلبه ضعيفة .......

·    لماذا لا يقاوم من يتعرض للشهوات أو للشبهات ؟ لأن حياة قلبة ضعيفة .......

·    لماذا يقع الإنسان فى الكذب والرشوة وشهادة الزور والتملق والنفاق سعياً في مصالح نفسية دون أن يشعر بوخز الضمير ؟ لأن حياة قلبه ضعيفة .......

 

ولهذا بلغت همة وإرادة عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه مبلغها ، حين قال : " لى نفسُ تواقه ، كلما أردت أمراً أردت أعلاه ، أردت فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها ، وأردت الخلافة فنلتها ، وإنّ نفسي لتتوق إلى الجنة " ......

 

إن نفساً كنفس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لهي من أعلى الأنفس ، وأكبر الهمم ، وهى تدل على حياة القلب وكماله ، فالقلب المؤمن إذا دبّت الحياة فيه ، شكت الجوارح من الحركة والعمل ، فلا يزال البدن يسعى ويكدح لأنه تابع للقلب ، والمؤمن يريد الراحة لبدنه فى الآخرة ، لأنه موطن النعيم أو العذاب ، وما أعظم الهمم حين تكون في طاعة الله تعالى .

 

ثالثا ً / ومن مراتب الحياة ، حياة الأخلاق :

 

 كلما كانت الأخلاق فى صاحبها أكمل ، كانت حياته أقوى وأتم ، ولهذا كان خلق الحياء ، مشتقاً من الحياة ، اسماً وحقيقة ، فأكمل الناس حياةً أكملهم حياءً ، ونقصان حياء المرء من نقصان حياته ، وهكذا سائر الأخلاق ، فحياة الشجاع أكمل من حياة الجبان ، وحياة السخى الكريم أكمل من حياة البخيل . ولهذا كان الأنبياء عليهم السلام أكمل الناس حياة ، حتى إن قوة حياتهم تمنع الأرض من أن تأكل أجسامهم ، وفى هذا المعنى الدقيق يقول النبي صلى الله عليه وسلم " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً " (2)  فحسن الخلق دليل حياة القلب.

 

 

رابعاً / ومن مراتب الحياة .. حياة الأرواح بعد مفارقة الأجساد :

 

فالقلب ينعم بالحياة إذا علم أن روحه ستفارق جسده ، وأن من ورائه رَوْحَّ وريحان ، ولو لم يكن فى الموت من خير إلا أنه باب للدخول إلى تلك الحياة الأخروية ، لكفى به تحفةً للمؤمن ، كما مثل :

 

جزى الله عنا المـــــــــوت خيراً                    فإنه أبُّر بنا من كُلِّ بّرٍ وألطــــف

يعجّل تخليص النفوس من الأذى                    ويدني إلى الدار التى هى أشرف

 

إذا قوي الإيمان قوي الشوق إلى تلك الحياة بعد الموت ، وكيف لا يشتاق المؤمن إلى رؤية ربه بكرةً وعشياً ، وكيف لا يشتاق وقد وعده ربه بجنة عرضها السموات والأرض ...

 

إن مشاغل الحياة اليوم تُنسي المؤمن ملاحظة قلبه ، قوة وضعفاً ، وصفاءً وكدراً ، ومن علامة توفيق الله للعبد أن يرزقه نفساً لوامة ، تلومه على التقصير ، وتدفعه للمحاسبة والمراقبة ، إلى أن يلقى الله باستغفار كثير وعمل كبير.

 

وعلامة خذلان الله للعبد ، أن ينسيه معالجة حياة قلبه ، فيلقى الله بقلب ميت ، وقد بصره الله بمادة الحياة ....

 

وصدق الله تعالى حين قال (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام /122).

 

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم ، أن يرزقنا وإياكم حياة القلوب ، وأنس الطاعة .

 أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروا إنه هو الغفور الرحيم

 

----------------------------------------------------------------------------------

(1) كما جاء في حديث معاذ بن جبل رقم ( 107 ) كتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص45.

(2) سنن أبي داوود ( 4682 )

 



 
التعليقات (1)Add Comment
...
أرسلت بواسطة إيمان, 06 04, 2011
آستمتع جدآآآآ بكتابانكم وصوتكم المميز.ماشاءالله
بارك الله فيك شيخنا الكريم واسال الله العظيم ان يرزقنى صلاة خلفك
واسال الله العظيم ان يرزقك امامة الحرم المكى كما كرمكم بامامة الحرم النبوى الشريف

أضف تعليق
تصغير مساحة الكتابة | تكبير مساحة الكتابة

security code

( لغير المسجلين ): الرجاء إدخال الحروف المبينة في الأعلى ...


busy