لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
اللهمّ فاطرَ السمواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، لا إله إلا أنتَ ربّ كل شيءٍ ومليكه، أعوذ بك من شرِّ نفسي، ومن شرِّ الشيطان الرجيمِ وشركه، وأَن أَقْتَرِفَ على نفسي سُوْءاً أو أَجُرَّهُ على مسلم ...
العلماء وخطر الطعن فيهم PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب فضيلة الشيخ سعد الغامدي   

في الآونة الأخيرة كثر الحديث في العلماء ذماً وقدحاً ، إذ أصبح العلماء نصباً موضوعاً للناس ، فمنهم من ينصفهم ويعرف قدرهم وينزلهم المنزل اللائق بهم ، ومنهم من يرميهم بالجهل والسفه ، ومنهم من يصفهم بطلاب الدنيا ، ومنهم من يدعى بأنه لا يوجد علماء في هذا الزمان ، وأصبح كل يقول رأيه في العلماء فيرفع من شاء ويقبح من يشاء ، بلا حجة ولا برهان ، وأصبحت الأمور بلا ضابط ولا زمام وما ذلك إلا آثار ضعف الديانة والانبهار الإعلامي والجهل بمكانة العلماء ، حتى أصبح العلماء شماعة يعلق الناس عليها كل مشكلات الأمة ومصائبها ، وكأن الناس مبرءون من كل خلل ، ومعصومون من كل زلل .

 

لهذه الأسباب ولغيرها ولكثرة من ينتقص من علماء الأمة ، أتحدث اليوم عن العلماء وفضل العلماء وحقوقهم وخطر الطعن فيهم .

 

من هم العلماء وكيف نعرفهم ؟

 

إن العلماء هم العالمون بشرع الله ، والمتفقهون في دين الله ، والعاملون بعلمهم على هدى وبصيرة ، على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة ، وهم الداعون إلى الله بالحكمة التي وهبهم الله إياها قال تعالى ﴿ وَمَنْ يُؤْتَى الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ (البقرة/269) ـ والحكمة في الآية هي : العلم والفقه .

 

والعلماء ورثة الأنبياء ، والأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا العلم ..........

 

والعلماء هم حجة الله في أرضه ، وهم أهل الحل والعقد في الأمة ، وهم أولوا الأمر الذي تجب طاعتهم كما قال غير واحد من السلف في تفسير قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ (النساء/59) ـ

 

قال مجاهد رحمه الله " هم أولوا العلم والفقه " ، والعلماء هم المؤتمنون على مصالح الأمة في دينها ودنياها ، والعلماء هم أهل الشورى الذين ترجع إليهم الأمة في شئونها ومصالحها والعلماء هم أهل الذكر الذين عناهم الله بقوله ﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ (النحل/43) ـ والعلماء هم شهداء الله الذين أشهدهم الله على توحيده وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته فقال عز وجل ﴿ شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران/18) ـ

 

فالعلماء هم أهل هذه الخصال ، ولا يلزم أن تتوفر كل هذه الخصال في كل عالم ، فالكمال لله تعالى .

 

والعلماء لا يمكن أن تخلو الأرض منهم كما يدعى بعض الناس ، إذ يقول بعض الجهلة بأنه لا يوجد عالم قدوة تطمئن القلوب إليه ، وهذه مخالفة لصريح النصوص ، فإن الله تعالى تكفل بحفظ هذا الدين ، وتكفل بحفظ طائفة من الأمة تبقى ظاهرة منصورة وهم العلماء ، وهم موجودون في كل مكان وزمان بِحَسَبه قوةً وضعفاً ، لكن لا يمكن أن يخلو الزمان من العلماء أبداً .

 

ليس كل من تصدر المجالس عالماً ، وليس كل من تصدر الوعظ عالماً ، ولا كل من تصدى للدعوة عالماً ، ولا كل من عرف بالعبادة عالماً ، ولا كل خطيب أو قارئ أو مفكر اشتهر بين الناس صار بذلك عالماً ، إنما العالم هو الذي حاز علوم الشريعة وشهد له العلماء بالعلم والتقوى والقدرة على الفتوى .

 

العلماء هم أئمة الأنام ، الذين حفظوا على الأمة دينها وعقيدتها ، وحموها من التغيير والتكدير ، الذين قال الإمام أحمد رحمه الله عنهم " يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، يحيون بكتاب الله الموتى ، ويبصرون بنور الله أهل العمى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضال تائه قد هدوه "

 

ويقول ميمون بن مهران رحمه الله " إن مثل العالم في البلد ، كمثل عين عذبة " .

ويقول عبد الله بن أحمد بن حنبل " قلت لأبي : أي رجل كان الشافعي ، فإني سمعتك تكثر الدعاء له ، قال يا بني كان كالشمس للدنيا وكالعافية للناس " ، فهل لهذين من خلف أو منهما من عوض ؟

 

هكذا العلماء في الناس ، لا يعلم كثير من الناس كيفية أداء الفرائض ولا كيفية اجتناب المحارم ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبده خلقه إلا ببقاء العلماء ، فإذا مات العلماء تحير الناس ، ودرس العلم بموتهم وظهر الجهل .

 

إن التأدب مع العلماء هو تأدب مع الله جل جلاله ، وتعظيم العلماء تعظيم لشعائر الله ، وقد قال الله ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ (الحج/32) ـ

 

وتوقير حملة الشريعة وحماتها هو توقير للشارع عز وجل،

 

قال صلى الله عليه وسلم : " ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا " وفي رواية أخرى " ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا " (1)

 

وقال طاووس بن كيسان رحمه الله : " إن من السنة أن توقر العالم "

 

وقال سعيد بن المسيب رحمه الله : " إن من حق العالم ألا تكثر عليه بالسؤال ، ولا تعنته في الجواب ، وألا تلح عليه إذا كسل ، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ، ولا تفيضين له سراً ، ولا تغتابن عنده أحداً ، ولا تطلبن عثرته ، وإن زل قبلت معذرته ، وعليك أن توقره وتعظمه لله مادام يحفظ أمر الله ، ولا تجلس أمامه ، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته " .

 

أين نحن أيها الأخوة من كل هذا مع علمائنا ؟

أين نحن من إجلالهم وتوقيرهم ؟

أين نحن من إكرامهم وتبجيلهم ؟

أين نحن من الاعتراف بفضلهم ومكانتهم ؟

 

لقد تجرأ بعض الناس على العلماء ، حتى رموهم ببعض الألفاظ التي تنم عن السخرية والاستهزاء ، فهذا أحدهم يعير العلماء بأنهم فقهاء الحيض والنفاس ، وآخر يخاطبهم قائلاً : " متى تخرجون من فقه دورات المياه " ؟!! بل ربما تجد في بعض المجالس من يتكلم في العلماء أكثر من كلامهم عن اليهود والنصارى ، وما بالقوم غيرة على الحق وإنما هو الجهل العريض وهم يظنونه الفكر والعلم والتعبير عن حرية الرأي زعموا !!

 

والعجيب أن الذي يحط من قدر العلماء ، رجل جالس على أريكته ، ولم يقدم شيئاً لدين الله ، فهو يلمز هذا العالم ويقبح ذلك العالم ، وهو من دينه بعيد ومن شهوته قريب .

 

Normal 0 false false false MicrosoftInternetExplorer4

أضاع الفريضة والسنة فَتَاهَ على الإنس والجنة

كأن لنا النار من دونـــه وأفرده الله بالجنـــــــــة

 

يقول ابن المبارك رحمه الله : " من استخف بالعلماء ذهبت آخرته ، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه ، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته " .

 

إن الطاعنين في العلماء لا يضرون إلا أنفسهم ، وهم يستجلبون بفعلتهم الشنيعة أخبث الأوصاف ﴿ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (الحجرات/11) ـ

 

وهم من شرار عباد الله بشهادة رسول الله صلى الله حيث قال " ألا أخبركم بخياركم ؟ قالوا بلى ، قال : الذين إذا رؤوا ذكر الله ، ألا أخبركم بشراركم ؟ قالوا : بلى ، قال المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون البراء العنت " (2).

 

والطاعنون في العلماء مفسدون في الأرض ، وهم عرضة لحرب الله تعالى قال عنهم في حديث أبي هريرة حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله قال : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب " (3).

 

وليعلم أنه يخشى على من تلذذ بغيبة العلماء والقدح فيهم أن يبتلى بسوء الخاتمة ، فهذا القاضي الزبيدي درس وأفتى وكثر طلابه واشتهر ذكره وذاع صيته يقول الجمال المصري عنه " إنه شاهده عند وفاته وقد اندلع لسانه واسود ، فكانوا يرون أن ذلك بسبب كثرة وقيعته في العلماء ووقيعته في شيخ الإسلام النووي رحمه الله " !

 

وروى عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال " لحوم العلماء مسمومة ، من شمها مرض ومن أكلها مات " .

 

ويقول الحافظ ابن عساكر رحمه الله " من أطلق لسانه في العلماء بالسلب ، ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب " .

 

ومن مخاطر الطعن في العلماء ، التسبب في تعطيل الانتفاع بعلمهم ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب الديك لأنه يدعو إلى الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة " (4) .

 

فكيف يستبيح قوم إطلاق ألسنتهم في ورثة الأنبياء من العلماء الذين يبلغون دين الله .

 

ومن شؤم الطعن في العلماء ، أن القدح فيهم يفضي إلى القدح فيما يحملونه من الشرع والدين ، فإذا خلت الساحة من أهل العلم والتُقى اتخذ الناس رؤوساً جهالاً يفتونهم بغير علم ، وإذا أفتوهم بغير علم ، فلا تسأل عن الحرمات التي تستباح ، والدم المعصوم الذي يهدر ، والعرض الذي ينتهك ، والأموال التي تنهب ، فهل يعي الطاعنون في العلماء مثل هذا البلاء ؟

 

إن نظرة واحدة إلى الواقع الأليم في بعض بلاد المسلمين ، وما يقع فيها من مجازر ومذابح بأيدي الأدعياء الذين استبدوا برأيهم ، وتأولوا الدين بأهوائهم ، ولم يصغوا إلى نصائح العلماء تنبئك عن مخاطر غياب العلماء أو خطر الطعن فيهم .

 

إن العلماء هم عقول الأمة ، والأمة التي لا تحترم عقولها غير جديرة بالبقاء .

 

نسأل الله الكريم الوهاب الرحيم التواب أن يحفظ علينا علماءنا العاملين ، وأن يبارك لنا في حياتهم ومماتهم ، وأن يمتعنا بعلومهم وبقائهم ، هو ولي ذلك والقادر عليه .

 

----------------------------------------------------------------------------------

(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم ( 421 )                       (2) الأدب المفرد للبخاري ( 324 )

(3) جاء ذلك في حديث رقم ( 6502 ) في صحيح البخاري

(4) سنن أبي داوود ( 5101 )



 
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير مساحة الكتابة | تكبير مساحة الكتابة

security code

( لغير المسجلين ): الرجاء إدخال الحروف المبينة في الأعلى ...


busy