لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
اللهمّ فاطرَ السمواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، لا إله إلا أنتَ ربّ كل شيءٍ ومليكه، أعوذ بك من شرِّ نفسي، ومن شرِّ الشيطان الرجيمِ وشركه، وأَن أَقْتَرِفَ على نفسي سُوْءاً أو أَجُرَّهُ على مسلم ...
مفهوم الدنيا ..... بين العلماء والوعّاظ PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب فضيلة الشيخ سعد الغامدي   
alt

وقع خلط كثير عند بعض أهل الإسلام فى مفهوم الدنيا ، خلط بين السعى لعمارتها أو الخمول عن ذكرها  ، بين التمكين فيها أو الاغترار بها ، بين الإستفادة من ثرواتها لحماية أهل الإيمان وبين الاستفادة منها لجمعها وتجميدها ، بين عالم رباني يسابق في التمكين فيها من خلال فهمه الواعى للكتاب والسنة ، وبين واعظ مقيد الفهم محدود النظر يزهد فى الدنيا وإلى الركون إليها ويدعو إلى الاشتغال بالذكر وانتظار الآخرة بلا بناء ولا عمارة ولا حضارة  وتركها لأهلها ، مما أوقع الناس في حرج وضيق ، بين عالم مقبل بعلم وبين واعظ مدبر بجهل ،   ونحن نحاكم هذا الاختلاف إلى الكتاب والسنة ، لينكشف الغطاء عن الحق ، وليعرف المسلمون بعض أسرار تأخرهم ....

 

هل الحياة الدنيا شر؟ وهل التعمير فيها منقصة للمسلم؟ وهل ترك العمران وبناء الحضارات فيها يخالف منهج الزهد الذى حث عليه الإسلام؟ وهل الصناعة والتجارة والزراعة وسائر الأعمال الدنيوية تدل على تعلق المسلم بالدنيا مما يترتب عليه نقص الثواب فى الآخرة؟ ....

 

أسئلة كثيرة تدور فى فكر المسلم ، الذى ينظر إلى غرب متقدم فى الحضارة ، وإلى شرق متخلف فى ذلك كله ، هل السبب هو الفهم الهزيل لمعنى الدنيا وعمارتها!! أم أن السبب يكمن فى مسلم قاعد عن العمل بليد الفكر كسيح الحركة!! أم السبب هو الوعظ المغلوط ، الذى يرغمنا على أن نفهم أن  الحياة عزلة عن الكون وترقب للموت وتسبيح في مسجد !! .....

 

إن كثيراً من المسلمين فهم الدنيا على هذا النحو ، ومن عدة قرون إلى يومنا هذا وجمهور القصاص والوعاظ وبعض أرباب الطرق الصوفية يلحون على الأمة بكلام كثير لصرف المسلمين عن الحياة ، ويسوقون بين أيديهم حشداً من أحاديث الرقائق وبعض الآيات القرآنية ، التى يرونها كما يرى الأرمد ُ ضوء الشمس ... ، وهل الدنيا كذلك !! هل الانزواء فيها ثم الفرار منها عبادة ؟!! كلا أيها المسلمون ، .... إن الحياة خير ، وإن كل يوم تنفتح فيها العين على ضوء الشمس والقمر نعمة عظيمة يجب شكرها ويجب استغلالها.....

 

تأملوا معي هذه النصوص التى تدل على أن الحياة حين يمنحها الله تعالى للمرء فإنها نعمة وليست شراً له ، عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : ( كان رجلان من بلي من قضاعة ، أسلما مع النبي صلى الله عليه وسلم ، واستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة ، قال طلحة بن عبيد الله : فأريت الجنة _ أي في المنام _ فرأيت فيها المؤخر منهما أدخل قبل الشهيد ، فعجبت لذلك ، فأصبحت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه سلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أليس قد صام بعده رمضان ، وصلى ستة آلاف ركعة ، أو كذا وكذا ركعة صلاة السنة " ) (1)

 

إن المكث فى الحياة والبقاء فيها ليس شراً ، إنهما رفعا منزلة رجل فوق الشهيد ، إن طول الحياة يمكن أن يكون منبع خيرٍ غزير ، وإن الزعم بأن الحياة شر وأن مغادرتها أفضل من معالجتها ليس إلا هراء مقطوع الصلة بالإسلام .

 

وعن عامر بن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنهما قال : ( سمعت سعداً وناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : كان رجلان أخوان فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أحدهما أفضل من الآخر ، فتوفى الذي هو أفضلهما ، ثم عمر الآخر بعده أربعين ليلة ، ثم توفى ، فرئى فى منزلة أعلى ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ألم يكن يصلى ؟ _ أي الذي أخًر _ " قالوا بلى يا رسول الله ، وكان لا بأس به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريكم ما بلغت به صلاته ، إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات ، فما ترون ذلك يبقى من درنه ؟ إنكم لا تدرون ما بلغت به صلاته ) (2)

 

إن الحياة فرصة ينبغى انتهازها ، وكل لحظة يقضيها الإنسان فيها يمكن أن يصنع فيها شيئاً ما ، فلا يجوز التجهم لها ، ولا القعود عنها ، ولا العجز عن أسبابها ، ... إن وجود الإنسان على ظهر الأرض ليس سوءاً فى ذاته يتمنى معه الموت ، بل هو أمد كلما طال طالت معه مجالات العمل ، والتنافس إلى أعلى الدرجات ، قال عليه الصلاة والسلام : ( ألا أنبئكم بخيركم ؟ قالوا نعم يا رسول الله ، قال : خياركم أطولكم أعماراً وأحسنكم أعمالاً ) (3)

 

إن التماوت قبل الموت هرب وضيع ، ونكول عن حمل التكاليف ، وجهل بأسرار الوجود ، وهذا التماوت لا يمكن أن يكون ديناً ، إذ الدين حركة وإصلاح للحياة ، وقد يقول قائل ومن أين جاءنا هذا المعنى السلبى عن الحياة ؟ ومن أين جاءنا هذا التماوت ؟

 

إن هناك أسباباً كثيرة ولعل من أهمها ثلاثة أسباب :

 

الأولى :- من بعض جراثيم الفلسفات الانسحابية التي ولدتها أفكار المتشائمين ومشاعر المنهزمين .

 

والثانية :- من انتشار التصوف  المغلوط أو الدخيل فى البلاد الإسلامية ، هذا النوع من التصوف الذى غذاه الإستعمار وحافظ عليه ، لأنه يخدم أفكاره وأطماعه ، فالتصوف الخاطئ يدعو له لأنه يخدم أفكاره وأطماعه ، فالتصوف الخاطئ يدعوا إلى الإنقطاع للعبادة ، وإلى همهمات وترنيمات لا ترفع ديناً ولا تحيي دنيا، وهذا ما يطلبه المستعمر، يريد من المسلمين الإنقطاع للعبادة فى مفهومها الضيق ، وينطلق هو ليبنى ويتوسع ويسيطر ويجمع ، نعم ،من التصوف ما هو ممدوح وما هو مذموم ، لكن حين يكون التصوف هو دعوة للانقطاع عن الحياة والاعتكاف في المساجد ، وترك العدو الأثيم يصول ويجول في ديار المسلمين دون أن يقف له أحد فهذا ما لا يرضاه العقلاء من أهل التصوف ، ذلك لأن بعض الحركات الجهادية في المغرب العربي قامت على أيدي بعض الصوفية كما يشهد التاريخ بذلك .

 

وسبب ثالث :- أن التماوت عن الدنيا نشأ بسبب المناهج ، التى أريد لها فى القرون الأخيرة أن تنشئ أجيالاً بعيدة الصلة عن الدنيا ، بعيدة عن الإبداع والبحث والسير فى الأرض ، بعيدة عن الصناعات والتجارات ، ..

 

إن هذا التماوت قوضَ أركان المسلمين ديناً ودنيا ، وعليهم إذا طلبوا وجه الله والدار الآخرة أن يصححوا موقفهم ويصوبوا نظرهم إلى الدنيا ، وألا يلبسوا الحق بالباطل ، وأن يفرقوا بين التمكين فى الأرض والقدرة عليها ، وبين الإغترار بها والانشغال بها عن الآخرة .

 

إن الله جل جلاله ، لما أهبط آدم إلى الأرض واستعمر ذريته فيها ، لم يقصد إهانتهم أو وضع مكانتهم ، فقد شاء الله تعالى أن يجعل الإنسان سعيداً في هذا العالم ، وأراد أن تشترك عناصر الكون فى خدمته وتسيير رغباته ، { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ } ( الإسراء/70 ) ، ولذلك ما كان الله ليهيئ هذه الخيرات والنعم ثم يقول هى شر للإنسان ،  بل هي مُسخّرة للإنسان حين يعلو بدينه وعقيدته ، ويسخر بها خيراً أو يمنع بها شراً ..

 

لما مر ذو القرنين ... ذلك السائح اللبيب على قوم ضعفاء خاملين ، استنجدوا به لقوته وعقله فى أن يمنع شر يأجوج ومأجوج... فماذا فعل ؟ لقد سخر ما خلقه الله من الطبيعة ليصد أهل الشر ، فطلب منهم عملاً إيجابياً يشاركون فيه ، وهو أن يجمعوا قطع الحديد ، فلما شاركوا بنو سداً منيعاً حصيناً .

 

لنسأل أنفسنا ، كم صنعنا من آلات الحديد وقد امتن الله تعالى به علينا حين أنزل الحديد من السماء إلى الأرض حين قال { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ { ( الحديد /25)

وفى الزراعة وهى حرفة الشعوب المتأخرة ! كم زرعنا وكم غرسنا ؟ هل نأكل مما نصنع ؟  إن هناك مساحات هائلة فى بلاد المسلمين تنتظر من يلتفت إليها ليعمرها لا ليزهد فيها !

وانظروا إلى الثروات الحيوانية ، حتى البقر والضأن والطيور ما يربى منها فى الخارج أدر لبناً وأرقى صوفاً ولذلك تستجلب إلينا ، أتحسين ثروتنا من الأنعام والدواجن أجدر بنا كمسلمين أم اعتمادنا على ثروات عدونا الذي خدم نفسه وأعمل فكره وبقينا نحن نذم الدنيا ولا نجتهد فيها !.

 

ونظرة أخرى إلى التجارة والصناعة وكيف تحركت الدول الغربية فيها وقعد المسلمون عنها ، إنهم يتحكمون فى اقتصاد العالم ويهيمنون عليه ، بينما المسلمون مازالوا فى صراعاتهم الداخلية مختلفون ، وللزهد فى الدنيا ينادون ... وما فهموا معنى الزهد الحقيقى !

 

لقد ملك تجار اليهود معظم الشركات الكبرى فى العالم ، وملكوا أكثر محطات التلفزة الإعلامية ومعظم البنوك ، لعلمهم أن المال مع الفكر والتخطيط والعمل الدؤوب يصنع ما لا تصنعه الحروب فى ميدانها ، بينما المسلمون يتأففون من المال ويزهدون فى جمعه واستغلاله ، ونسوا أو تناسوا أن رسول الله كان تاجراً في مال خديجة رضي الله عنها ، وأبو بكر وابن عوف وعثمان كانوا تجاراً مرموقين ، وكانت لهم وقفاتهم العظيمة بهذا المال  حينما احتاجه المسلمون فى غزواتهم ومعاركهم وفى صدقاتهم وأزماتهم ، بل كان أبو حنيفة رحمه الله صاحب المذهب المعروف عالماً وتاجراً ، بل كان الإمام النيسابوري صاحب صحيح مسلم تاجراً ثرياً ولم تمنعه تلك التجارة من إخراج كتابه الصحيح.

 

إننا نفيق اليوم من غفلة الماضى ، لنفتح عقولنا على واقع مروع ، إذ نرى سوانا قد ساد الكون وسيطر على الطبيعة وملك ثروات الدنيا وأخذ علينا الجو والبر والبحر ، ولم تتسع الأرض لهمته ، فراح يصنع لفضاء السماء سفناً جبارة ، ولا مكان لنا فى ذلك المضمار.

 

إن المسلمين فى صراع حاسم يقرر الحياة أو الموت ، ومن ثم يجب أن نراجع أساليب الحياه التى نحياها .

 

إن من المهم ان نعلم أن تغبير القدمين في أرجاء الحياة ، كصف القدمين فى محاريب العبادة ، كلاهما دين قويم وصراط مستقيم ، إذا أردنا وجه الله والدار الآخرة .

 

إن الإسلام لا يذم الحياة أبدا ليخلف أجيالاً تعيش عُمياناً فى أنوارها ، جهالاً أمام أسرارها،  بل يذم الدنيا ليضمن حدود الإعتدال ، وليحجز الغرائز الطافحة بالأثرة..

 

إن العالم الرباني يجعل من الدنيا طريقاً للتمكين والنصر ،حين يرشد الناس إلى الأسلوب الأمثل في استثمار الحياة ،  والواعظ الجاهل يهيئ أسباب الهزيمة وهو لا يشعر ، حين يخوف الناس من الدنيا على طريقته الخاصة وثقافته المحدودة ، ليصنع جيلاً من المهزومين ، الذين يترقبون الموت ولا يعملون للآخرة ، وشتان بين العالم والواعظ في نظرتهما إلى الدنيا  .

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الفهم في دينه وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

 

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروا إنه هو الغفور الرحيم

 

----------------------------------------------------------------------------------

(1) مسند الأمام أحمد ( 8194 )     (2) موطأ مالك (5780)

(3) مسند الأمام أحمد ( 7171 )

* تم الاستفادة من مادة هذه الخطبة من كتاب " كيف نفهم الإسلام " للشيخ الجليل محمد الغزالي رحمه الله



 
التعليقات (3)Add Comment
...
أرسلت بواسطة nivine norway, 01 17, 2011
لو رجعنا الى كتب التاريخ القديمه نجد في معظم الكتب أن المسلمين كانوا هم السباقين على دول الغرب في معظم الأشياء واهمها مجال الطب والهندسه والأعمار.. هم أخذوا العلم منا وتقدموا علينا وسبحان الله هم يذكرون هذا ويدرسونه لنا هنا في أوروبا..
أسأل الله أن يوفق المسلمين في كل بقاع الأرض وأن يجازيك ربي كل خير شيخنا ومعلمنا سعد الغامدي على هذه التذكره القيمة.
...
أرسلت بواسطة أحمد محمد أبو قوطة, 02 17, 2015
جزاك االله خيرا
...
أرسلت بواسطة هالة, 07 06, 2015
العلماء المسلمون كانوا موسوعة في علوم الدنيا و الأخرة تفقهوا في الدين و كتبوا موسوعات كبيرة في علومه وكثير منهم برعوا في علوم الكيمياء والطب والفلك والحساب ، جمع خير الدنيا واستعمروا الأرض لخير الأخرة فكانت الحضارة الإسلامية العظيمة التى اقتبس منها الغرب نورًا وعاد إلى الحياة بفضلها

أضف تعليق
تصغير مساحة الكتابة | تكبير مساحة الكتابة

security code

( لغير المسجلين ): الرجاء إدخال الحروف المبينة في الأعلى ...


busy