لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
اللهمّ إنِّي أَسْأَلُكَ الهُدى، والتُّقَى، والعَفَافَ، وَالْغِنَى ...
شعيب عليه السلام PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب موقع الشيخ سعد الغامدي   
الجمعة, 17 أكتوبر 2014 20:45

شعيب عليه السلام

حديثنا اليوم عن خطيب الأنبياء ،عن النبي الذي وقف يدعو قومه إلى التوحيد و العدل والأمانة في معاملة الناس ... حديثنا عن شعيب عليه السلام ... الذي أوتي الحجة والفصاحة والبيان فلم يكن في قومه أفصح بياناً ولا أقوى حجةً منه. شكر الله شعيباً في القرآن الكريم عشر مرات ، تذكيراً وتعريفاً بدعوته وصبره وجهاده ... 

 

شعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين ، ومدين هو أحدُ أولاد إبراهيم عليه السلام ، بُعث شعيب بعد زمن لوط وقبل زمن موسى عليهم السلام ، لأن الله تعالى لما ذكر نوحاً وهوداً وصالحاً ولوطاً وشعيباً أعقب ذلك بقوله " ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه "

 

وأهل مدين كانوا عرباً يسكنون بلاد الشام وفي الأردن تحديداً ، ومدين هذه هي التي لجأ إليها موسى عليه السلام هرباً من فرعون وقومه ، وبينها وبين مصر مسيرة ثمانِ ليالٍ ، قال الله تعالى " ولمّا ورد ماء مدين وجد عليه أمةً من الناس يسقون "

 

اشتهرت مدين بالبساتين والأشجار والثمار ، فهي مدينةٌ ترفل بثوب النعمة والترف ، ولكنها تحت قومٍ لم يعرفوا لله طاعة ولا عبادةً ولا توحيداً ولا شكراً ، ويوم أن يكون الخير والنعيم في يد قومٍ فاسقين فلا تسل عن الفساد والطغيان والدمار الذي سيحل على الضعفاء والبسطاء والناصحين المشفقين !

 

 كان أهل مدين يجمعون كثيراً من المفاسد ، فأولها الشرك بالله تعالى ، هذا في جانب العقيدة التوحيد ، وفي جانب المعاملة مع الناس اقتصادياً واجتماعياً كانوا من أفجر الناس وأكثرهم شراً وبطرا ، فظلموا الناس بالتطفيف في الكيل والوزن وبخسوا الناس حقوقهم وأكلوا أموالهم بالضرائب والمكوس واشتهروا بقطع الطريق ونهب الأموال .

 

قال القاسمي رحمه الله في تفسيره : كانوا يطفّفون الكيل ويقطعون الطريق ويجلسون في ممر الناس الغرباء يضربونهم ويخوّفونهم ويأخذون ثيابهم ويتوعدونهم بالقتل ، وكانوا يصرفون الناس عن سماع الحق من شعيب عليه السلام ، إنها حياة أشبه بحياة المافيا الحديثة أو العصابات المسلّحة أو الفتوّات التي تريد نهب الناس وأكل أموالهم بالباطل . 

 

أمام هذا المجتمع الصعب وقف شعيباً عليه السلام ناصحاً ومذكراً ، وأخذ يدعو إلى الله تعالى ويذكّرهم بنعمة الله عليهم ، ويؤكد لهم أنه نبيٌ مرسلٌ من عند الله ، وإنه لا يريد مقابِل دعوته مالاً ولا أجراً ولا مكانة ، إنما همُّه الإصلاح والتغيير " إنْ أريد الإصلاح ما استطعت " ، فالحياة الفاسدة التي ألفها قومه ليست هي الحياة التي يريدها الله تعالى ، فالله لا يحب الفساد ، والظلم الذي أجروه على الناس هو ظلمٌ لا يرضاه الله فالله لا يحب الظالمين .

 

لقد وقف شعيب كالجبل الأشم أمام انتشار موجة الفساد والمنكرات في قومه ، فجمع في دعوته بين مطالب العقيدة وبين المعاملة بين التوحيد والأخلاق ، بين مطالب الإيمان بالله تعالى وبين ترجمة هذا الإيمان إلى جمال الأخلاق والسلوك ، ولم يكن لشعيب عليه السلام معجزة كعصا موسى عليه السلام أو يد عيسى عليه السلام أو ناقة صالح عليه السلام ، فلم يذكر القرآن الكريم معجزةً لشعيب عليه السلام ، إنما كانت معجزته : البيانُ والفصاحة وحسنُ المجادلة والحوار ، قال الله تعالى : " وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره قد جاءتكم بينة من ربكم " ... فالبينة التي أوتيها شعيب هي بيانه للحق وردُّه للشبهات ، وهذه رسالة واضحة لأصحاب الدعوات بأنْ لا يستهينوا البيان والحجة والمجادلة لأهل الشبهات ، فهي وسائل شعيب عليه السلام في الدعوة ، ولئن لم يؤمن من قومه إلا قليل منهم ، فلا يعني ذلك ضعف الوسيلة وإنما ضعف القلوب وموتها التي لم تعد تستمع للحق والخير بسبب الكفر بالله والطغيان الذي ضرب بأطنابه .   

 

بدأ شعيب دعوته باللين واللطف ،وهذا هو طريق الأنبياء وهذا ما يجب أن يكون عليه الدعاة في كل عصر ومِصر ، ألاّ يتكلف الداعية اللين ولا يتصنع اللطف وإنما يجب أن تنبعث الرحمة من أعماق أعماقه حباً وشفقةً ورحمةً على قومه وعشيرته وإخوانه ... 

 

فأول كلمةٍ ناداهم بها " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره " ... " يا قوم " : ما أجملها من كلمة وما أصدقها من عبارة تدلُّ على أخوته وقرابته ونسبه فيهم ، فدعاهم أول ما دعاهم إلى التوحيد لأنه قوام الدنيا وفلاح الآخرة ، ثم استمر في أسلوب الترغيب فقال : " بقيّتُ الله خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين " أي : القليل من الربح الحلال خيرٌ لكم من الربح الكثير الحرام ... ثم رغّبهم بقوله " يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً حسناً وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب " ..... 

 

لقد أكد لهم أنه قدوةٌ حسنةٌ لهم فلا يأمرهم بأمر ويخالفهم فيه ، وهذه حياته وأخلاقه أمامَهم ، وبيّن لهم أنه لا يريد منصباً ولا زعامة ولا رياسة ، إنما همّه الإصلاح قدر المستطاع والتوفيق مع ذلك وبعد ذلك بيد الله تعالى ... 

وأخذ شعيب في أسلوبه هذا حتى جمع بين الترغيب والترهيب ، فيذكرهم بالنعمة ثم يخوفهم بعقاب الله ، كما قال تعالى على لسان نبيه " واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين " ثم قال " ويا قوم لا يجرمنّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوحٍ أو قوم هودٍ أو قوم صالح وما قوم لوطٍ منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود "

ثم انتقل إلى أسلوب الترهيب الخالص بلا ترغيب فقال " وإن كانت طائفةٌ منكم آمنوا بالذي أرسلتُ به وطائفةٌ لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خيرُ الحاكمين " ... 

 

يقول شعيب لقومه :  إذا اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مؤمنةٌ وكافرة ، فاصبروا حتى تروا لِمَن تكون العاقبة والهلاك ولمن تكون النجاة والفوز ... 

 

وإزاء مواقف شعيبٍ في دعوته ، كان موقف قومه ينمُّ عن المعارضة والرفض والمقاطعة كما قال الله تعالى : " قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنّك يا شعيب من قريتنا أو لتعودن في ملتنا " فحكمت محكمة مدين على شعيب ومن معه بالطرد والإبعاد والنفي إنْ هو أصرّ على دعوته ورسالته ،فكان الرد القاطع من شعيب حينما قال : " أوَلو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كلًّ شيء علماً على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين "

 

وبعد التهديد بالإبعاد والطرد بدؤوا بالاستهزاء في الشعائر الدينية التي يقوم بها شعيب عليه السلام ،  لأنه كثير الصلاة والذكر فقالوا " قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد " ... وهذا المنطق من قوم شعيب هو منطقٌ متكرر نسمعه اليوم من بعض الذين يقولون : ما للدين والاقتصاد ؟ ما للدين والفن ؟ ما للدين والحرية الشخصية ؟ ما للدين والعري في الشواطئ والمراقص ؟ ما للدين والخمر والمزاج ؟ ما للدين وحياتنا الشخصية ؟  وهو منطق قوم شعيب قديماً ، والصورة تتكرر !!

 

" أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء " ..... 

 

ثم بعد الاستهزاء قالوا " يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز "

عجبٌ والله أيهزأ الجاهلُ من العالم ويسخر المجنون من العاقل ويصبح السفيه صاحب حجةٍ وبيان ؟ متى كانت الاستقامة نقصاً ؟ ومتى كانت الفضيلة عيباً يلام عليه الإنسان ؟ ولكنه منطق البغي والعدوان ... 

 

ولما أقام شعيبٌ الحجة على قومه وجاءهم وحاورهم وسمع منهم وسمعوا منه ، جاء الوعد من الله بهلاك مدين ، لأن الله لا يعذّب قوماً حتى يقيم عليه الحجة ، كما قال الله تعالى : " وما كان ربك ليهلك القرى بظلمٍ حتى يبعث في أمّها رسولاً يتلو عليهم آياته وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون " ... 

 

سلط الله تعالى على أهل مدين الحَرّ سبع أيام حتى غلت المياه في ديارهم ، فعاشوا في هَمّ وكرب وشدة ، ثم ساق الله عليهم غمامةً فاجتمعوا تحتها يستظلّون بظلها فراراً من شدة الحرِّ ، فلما تكامل عددهم في ظلها تزلزلت الأرض من تحت أقدامهم وجاءتهم الصيحة وأمطرت عليهم السحابة ناراً ووَهجا فاحترقوا عن آخرهم ، وصدق الله تعالى حيث قال : " فكذبوه فأخذهم عذابُ يوم الظلة إنه كان عذاب يومٍ عظيم " لقد أصبح يوم الظلة علامة فارقة في هلاكهم ! ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه وخالفوا أمره ، ففي لحظات ينحدر المكذّبون من كل مكان في منظر غريب ليلقوا حتفهم تحت الظلة !

 

وبهذا طويت صفحة سوداء من صفحات التاريخ ،  تاريخ الأمم المكذبة التي كابرت واغترت بعلمها وقوتها ورأيها ، فلم تسمع لوعظ الأنبياء ولم ترهب من رب الأرض والسماء ، فكانت العاقبة أليمة والرجفة شديدة ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ، فيا سعادة من آمن مع نبي الله شعيب ويا تعاسة من صدَّ عن سبيل الله . 

 

أيها الإخوة : تلك هي قصة شعيب وهذه عبرها ودروسها وصدق الله حين قال " لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب " . 

 

 

 



 
التعليقات (2)Add Comment
...
أرسلت بواسطة belhadri, 11 05, 2014
اللهم صلي و سلم على سيدي محمد و على اله
...
أرسلت بواسطة طه, 11 05, 2014
بارك الله فيك شيخنا الجليل

أضف تعليق
تصغير مساحة الكتابة | تكبير مساحة الكتابة

security code

( لغير المسجلين ): الرجاء إدخال الحروف المبينة في الأعلى ...


busy
آخر تحديث: الجمعة, 17 أكتوبر 2014 20:55