لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
اللهمّ إنِّي أَسْأَلُكَ الهُدى، والتُّقَى، والعَفَافَ، وَالْغِنَى ...
أيوب عليه السلام PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب موقع الشيخ سعد الغامدي   
السبت, 31 مايو 2014 09:50

ايوب عليه السلام

أيها الإخوة ... ذكرت في خطبٍ سابقة سلسلةً من قصص الأنبياء عليهم السلام الذين يُبعثون لدعوة الناس إلى التوحيد ونبذ الشرك مع معالجة قضايا الناس في مختلف ميادين الحياة ، من الدعوة إلى المحافظة على المال العام وعدم الإسراف فيه كما في قصة قوم عاد ،والدعوة إلى ترك التوسع في البنيان كما في قصة قوم صالح ، والدعوة إلى الأخلاق والمحافظة على العِرض والشرف كما في قصة قوم لوط ، والدعوة إلى رحمة الناس برفع الظلم عنهم وعدم أخذ أموالهم وأكلها بالتطفيف في الكيل والوزن كما في قصة قوم شعيب  ، فكانت دعواتهم في الإصلاح العام مع الدعوة للتوحيد ونبذ الشرك بالله الواحد ...

 

 وأما قصة اليوم فجاء القرآن بها ليكشف لنا حياة الأنبياء الخاصة ، حين يصابون بالأمراض والابتلاءات وذهاب المال والأولاد ، فالأنبياء هم أشد الناس بلاءً كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ، لقد كان أحدهم يُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العَباءة يجوبها فيلبسها، ويُبتلى بالقمْل حتى يقتُلَه ، ولأحدهم كان أشدّ فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء " رواه السيوطي في الجامع الصغير وهو حديث صحيح ، وجاء القرآن لينقل لنا صبرهم وليرشدنا كيف صبروا وشكروا وتمكنوا من تقوية نفوسهم بالإيمان والرضا والتسليم ، حتى أبدل الله خوفهم أمناً ومرضهم شفاءً وبلاءهم عافية ، إنها أيها الإخوة قصة نبيّ الله أيوب عليه السلام ... 

 

وقصته عليه السلام فيها تسلية لأهل المصائب والأمراض الذين عجز الطب عن دوائهم وحار الأطباء في علاجهم ، أن يصبروا كما صبر أيوب ، وأن يعيشوا بالأمل في رحمة الله وأنه هو وحده القادر على الشفاء ومنح العافية ، وأن يلجأوا إلى الدعاء والعبادة كما فعل أيوب حين قال "رب إني مسني الضُّر وأنت أرحم الراحمين" فكانت العاقبة "فكشفنا ما به من ضر"

 

أيها الإخوة : أيوب هو نبيٌ من أنبياء بني إسرائيل من ذرية يعقوب عليه السلام ، وهو النبي المبتلى في جسده وماله وأهله ، فقد ابتُلي بذهاب أولاده وماله وبالمرض في جسده حتى لم يبق من جسده موضعاً إلا وطاله المرض ، وبلغ من شدة ما ابتلي في دينه ونفسه أنْ تخلَّى عنه القريب والبعيد سوى زوجته التي حفظت له الود لإيمانه بالله ورسوله ، فلازمت زوجَها ولم تفارقه ، وقامت على خدمته مدة مرضه بلا ضجر ولا ملل

 

كان أيوب عليه السلام من أصحاب الغنى والعقار والماشية،  ويملك الأراضي الواسعة والحقول والبساتين ، وقد ابتلاه الله تعالى بالنعمة والرخاء فأتاه الغنى والصحة وكثرة الأهل والولد ، فكان في هذا النوع من الابتلاء عبداً نقياً تقياً ذاكراً شاكراً لم تفتنه الدنيا ولم تخدعه ولم يحرم المسكين واليتيم وصاحب الحاجة عن حاجته ، لإيمانه أن نعمة المال هي من الله ويجب أن تنفق حيث أمر الله وأنه لو منَع مالَه عن الفقير لمنع الله المال والعطاء عنه جزاءً وفاقاً .

 

ثم بعد هذه النعمة والرخاء ابتلاه الله تعالى بسلب هذه النعمة ، ففقد المال وفقد الأهل ومات الولد جميعاً ، وتناوشته الأمراض من كل مكان في بدنه ، فما كان منه إلا الصبر ،  فالله تعالى هو الذي يعطي ويمنع ويخفض ويرفع .. إن شاءَ أعطى وإن شاء منع "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" ، "ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" ... 

 

والقرآن الكريم لم يذكر سبب ابتلاء أيوب وما هو المرض الذي نزل به ، سوى أنه مسه الضر فصبر عليه ، من هنا يجب أن ينتبه المسلم من الروايات الإسرائيلية المذكورة في كتب التفاسير والتاريخ ، لأنها لا تصح إذ قالت هذه الروايات : أن أيوب أصيب بأمراض غريبة ، وحين اشتد به المرض وطال به البلاء عافه الجليسُ  وأوحش منه الأنيس وانقطع عنه الناس وتعفن جسده حتى كان الدود يخرج منه ، فأُخرج من البلد وأُلقي في مزبلةٍ خارج المدينة !! وهذا كله لا يصح ، لأن الأنبياء عليهم السلام منزهون من الأمراض المنفّرة فكيف يتفق هذا القول مع منصب النبوة !!

 

ثم إن المرض استمر في أيوب عليه السلام سبع سنين ، وقيل ثمانية عشر سنة ، وهو راضٍ  عن الله ، صابرٌ لا يشكو لأحدٍ من الناس ،  ومع هذا الصبر الطويل من أيوب عليه السلام  حاول الشيطان أن يدخل عليه ليزعزع إيمانه ، ويوهن عزيمته ، ويُملّه من الصبر ، فلم يفلح الشيطان في ذلك ، فتوجه إلى امرأته فوسوس لها فقال : إلى متى تصبرين ؟  فأثَّر ذلك في نفسها ، فجاءت إلى أيوب وفي نفسها اليأس والضجر مما أصابه ، فقالت : إلى متى هذا البلاء ؟ فغضب أيوب وقال لها : كم لبثتُ  في الرخاء ؟  قالت : ثمانين سنة  .قال : كم لبثت في البلاء ؟ قالت : سبع سنين  .قال : أما أستحي أن أطلب من الله يرفع بلائي وما قضيت فيه مدة رخائي ، ثم قال لزوجته : والله لئن برئت لأضربنك مائة سوطوحرَّم على نفسه أن تخدمَه بعد ذلك .

 

ولما اشتد عليه المرض سنين عديدة  وتخلى عنه الزوج ومات الولد وضاقت به الوحدة ،  نادى ربه بصوتٍ منكسر ضعيف ، نادى من بيده الشفاء والدواء ، نادى من إذا دُعيَ أجاب ، وإذا استغاث به الملهوف أغاث ، ومن إذا رفعت إليه الحاجات وهو في السماء قال لبيك عبدي ، نادى أيوب ودعا دون أن يفصح عن مرضه حياءً من الله تعالى ، فهو أعلم به ، فقال بعد سنين "رب إنّي مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" بلا تفصيل ولا شكوى ولا تذمّر ، لأنه سبحانه أعلم بحاله ، ... فأجاب الله دعاءه وكشف بلاءه ، وأوحى إليه أن يضرب برجله الأرض ، وهنا .. يعلمنا الله بذل الأسباب ... نعم بذل الأسباب ... "اركضْ   برجلك" فالله تعالى قادر أن يأتي بالشفاء بكلمة كُنْ  الإلهية ، لكن لابد من البذل والمجهود ، وهذا واضح وبيّن   في قصص الأنبياء ، فموسى عليه السلام يُقال له "اضرب بعصاك البحر" ، ومريم عليها السلام يُقال لها "وهزّي إليكِ بجذع النخلة" ونوح عليه السلام يُقال له "واصنع الفُلك بأعيننا ووحينا"  ، ولوط عليه السلام يُقال له "فأسرِ بأهلك بقطعٍ من الليل ولا يلتفت منكم أحد" ... وهنا يقال لأيوب عليه السلام "اركض برجلك هذا مغتسلٌ  بارد وشراب" حتى يتعلّم المرء بذل الأسباب ، وأنّ هذا الدّين العظيم بريء من التواني والتخاذل والتكاسل عن طلب الشفاء والبحث عن أسبابه ... 

 

فركض أيوب عليه السلام برجله وضرب بها الأرض ، فخرج الماء البارد ليشرب منه وليغتسل به ، فشفاه الله تعالى من مرضه ، وأعاد عليه صحته وعافيته ، ورزَقَه الذرية الطيبة والمالَ الوفير أضعافَ ما كان يملك ... قال الله تعالى : "واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب * اركضْ   برجلك هذا مغتسل بارد وشراب * ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب * وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب" ... وخذ بيدك ضغثاً أي : خذ يا أيوب عذقاً من النخل به مئة عود فاضرب به زوجتك ضربةً واحدة ، لأنه حلف إن شفاه الله ليضربنها على قولها مئة سوط ، فمن رحمة الله لها ولحسن عشرتها وخدمتها وصبرها ،  أرشدَ أيوب أن يوفي بقسمه بضربةٍ واحدة وبعذق واحدٍ فيه مئة عود فتنجو هي من الأسواط ، وينجو هو من الحنث في قسمه ، وهذه رحمة عظيمة من الله تبارك وتعالى

 

وبعد أن شفاه الله تعالى من الأمراض أعاد عليه الغنى والأموال أضعافاً مضاعفة ، بسبب صبره الطويل ، ودائماً ما يأتي الفرج والخير بعد الصبر ... قال صلى الله عليه وسلم " بينما أيوب يغتسل عريان خرَّ عليه جرادُ من ذهب ، فجعل يحثي في ثوبه ، فناداه ربه : يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال : بلى يا رب  ولكن لا غنى لي عن بركتك "رواه البخاري

 

أيها الإخوة : تلك هي قصة أيوب عليه السلام وذلك هو صبره

 

نسأل الله تعالى أن يرزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة 

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ...



 
التعليقات (6)Add Comment
...
أرسلت بواسطة ماجد السيف, 06 02, 2014
نبي الله ورسول الله أيوب عليه السلام , هو أيوب ابن موص ابن رازح بن العيص بن اسحاق بن ابراهيم عليه السلام فهو من ذرية اسحاق

ابراهيم عليه السلام كان له ولدان اسماعيل واسحاق

جميع الانبياء من ذرية اسحاق ماعدا محمد صلى الله عليه وسلم من ذرية اسماعيل

بعثه الله الى قوم حوران في الشام
...
أرسلت بواسطة طه, 06 13, 2014
باك الله فيك شيخنا العزيز و جعله في ميزان حسناتك

و بالمناسبة أبارك لك هذا الشهر الكريم و لجميع المسلمين أعاده الله علينا و عليكم باليمن و الايمان و السلامة و الاسلام
...
أرسلت بواسطة عبدالرحمن الهديب, 07 08, 2014
جزاكم الله خيرا
...
أرسلت بواسطة عبدالرحمن الهديب, 07 08, 2014
جزاكم الله خيرا
...
أرسلت بواسطة عبدالله التائب, 07 14, 2014
جزاكم الله خيرا يا شيخ سعد ...بارك الله فيكم و في صوتكم العذب الشجي الندي..لا اذكر كيف هداني الله لان أستمع الى تلاوتكم لسورة غافر في بداية رمضان من هذا العام ولكني لم اكن اتخيل انه والى لحظتي هذه وانا استمع اليها ولا استطيع امضاء دقائق معدودة دون أن اعيد سماع السورة، اسمعها في مكتبي في سيارتي قبل نومي حتى وانا اكتب هذه الرسالة
جزاكم الله خيرا فبفضل الله ثم فضلكم صلحت احوالي و انار الله قلبي و اسأل الله الثبات و أسألكم الدعاء
...
أرسلت بواسطة شوية أمل, 10 22, 2017
أيهما ارجح لمدة صبر أيوب عليه السلام ،هل صبر 7 اعوام ام 18سنه؟؟
لدي اختبار اتمنى اجد رد،دمت بخير.،

أضف تعليق
تصغير مساحة الكتابة | تكبير مساحة الكتابة

security code

( لغير المسجلين ): الرجاء إدخال الحروف المبينة في الأعلى ...


busy