لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
اللهمّ إنِّي أَسْأَلُكَ الهُدى، والتُّقَى، والعَفَافَ، وَالْغِنَى ...
صالح عليه السلام PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب موقع الشيخ سعد الغامدي   
الأربعاء, 23 أبريل 2014 13:34

تحدثت في الخطبة الماضية عن قصة هود عليه السلام الذي أرسله الله تعالى إلى قوم عادٍ بالأحقاف قريباً من اليمن ، وكان موقفُهم الكفرَ والجحودَ بالرسالة ،  فأبادهم الله حتى كانوا عرباً بائدة ، فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنُهم .

واليوم أتحدث عن قصة نبي الله صالح عليه السلام الذي بُعث إلى قوم ثمود ... وقد كانوا يسكنون الحِجر - بين الحجاز وتبوك - قريباً من وادي القرى ، والحِجر يمرُّ عليه المسافر بطريق البَر ، وتعرف اليوم " بفجِّ الناقةقال المسعودي عنهم : وَرِمَمُهم باقية وآثارهم بادية في طرق مَنْ ورد الشام وهي قريبة من خليج العقبة .. 

 

وقد مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود ومساكنِهم وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع للهجرة ، فلما نزل بهم الحجر استقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود ، وأخذوا من هذا الماء فعجنوا به عجينَهم وطبخوا ، فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بما فعل الصحابة أمرهم أن يُريقوا القدور ، وأن يعطوا العجين الإبل ، لأنه لا يجوز أن ينتفع المؤمنُ من متاع أو طعام أو ماءِ الأقوام المعذبين ، فارتحل بهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل بهم البئر التي كانت تشرب منها الناقة ، وقال لهم لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم ، ثم تَقنَّع عليه الصلاة والسلام ( أي تلثم ) وارتحل من المكان خوفاً من العذاب ، وهذه فتوى من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يجوز للمسلم أن يزور الأماكن والآثار التي نزل بها العذاب كمدائن صالح أو آثار قوم عاد أو غيرها إلا أن يكون المسلم باكياً متأثراً معتبراً ، أما إن زارها ضاحكاً متنزهاً وكأنه في فسحة فإنه يحرم عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم ، إلا أن تكونوا باكين " رواه البخاري 

 

واختلف المؤرِّخون في أصل ثمود وزمنِ وجودهم ، فقال بعضهم : إنهم بقيةٌ من قوم عاد . وقال آخرون : إنهم بقيةٌ من العماليق ، انتقلوا من غرب الفرات إلى الحِجرويرى بعض المؤرِّخين من المستشرقين : أنهم قومٌ من اليهود سكنوا تلك الناحية ولم يدخلوا فلسطين ، وهذا الرأي لا شك أنه باطل ، لأن اليهودَ لم يُعرفوا إلا بعد خروج موسى عليه السلام ببني إسرائيل من أرض مصر فكيف يكونون يهوداً ؟!!

 

 وأصح الأقوال أنّ قومَ ثمود كانوا عرباً من بقايا عاد ، ويؤيِّدُ هذا الرأي قول الله تعالى "واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عادٍ وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين" ... فكان بعض قوم ثمود يسكن الأحقاف وبعضهم يسكن الحِجر ... 

 

وأما عن زمن وجودهم : فقد قال ابن كثير رحمه الله : وأما زمنُ وجودِهم فلم يُعلم بالضبط ، إلا إنهم كانوا بعد عادٍ وقبل ميلاد زمن موسى عليه السلام ، بدليل قولِ  مؤمنِ آل فرعون "وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يومِ الأحزاب * مثل دأبِ قومِ نوحٍ وعادٍ وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد" ... 

 

كان قوم ثمود يتمتعون بقوةٍ هائلةٍ في الأجسام ، فنحتوا الجبال وجعلوها بيوتاً ، ومَنْ رأى مدائنَ ثمود التي مرَّ عليها الآلاف من السنين وكيف تفنَّنوا في نحت الجبال وتزيينها ، يدرك صدق القرآن حينما قال "وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين" ... ومع قوةِ أجسامهم فهم لم يكن معهم قوةً في العقول ، فآثروا الكفر على الإيمان والباطل على الحق ، فعبدوا الأوثان من دون الله لأنها عبادةُ من سَلَفَ  من آبائهم وأجدادهم ... وما أصعبَ خُلُق الإنسان وصلابته حين يَنّشأُ في بيئةٍ عاشت على الضلال وعلى الغواية حتى اعتقد أنها على الحق وغيرها على الباطل ... إن هذا الإنسان الذي عَمِيَ قلبهُ عن الحق في حاجةٍ إلى منفذٍ ينتشله من هذا الجوِّ الموبوء .. ولهذا تجلَّت رحمة الله في هؤلاء القوم حين بعث لهم رسولاً  كريماً منهم يعرفون حسبه ونسبه وخُلقَه يدعى صالح عليه السلام .

 

بُعث صالِّح إليهم يدعوهم إلى الله تعالى ويذكِّرهم بنعم الله عليهم ، لأن الإنسان قد يتقلَّب في نعم الله في صباحه ومسائه ، ثم مع إلْفِهِ للنعم يجحد النعمة وينسى شكر المنعم جل جلاله ، فذكَّرهم صالح بنعم الله عليهم علَّهم يتذكرون .. وعلَّهم تلين قلوبهم 

 

قال الله تعالى عما دار بين صالح وقومه "وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب" وفي آية أخرى قال لهم مذكراً بنعمة الله عليهم "واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبّوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين" ... هذا تذكيرُ صالح عليه السلام لقومه فكيف كان ردُّهم "قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا"  أي كنا نرى فيك علامات الخير والرُّشد وكنا نرجوا أن ننتفع برأيك ومشورتك ...     "أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب * قال يا قوم أرأيتم إن كنتُ على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيتُه فما تزيدونني غير تخسير"    أي لو جاريتكم فيما تريدون وعصيتُ الله تعالى ، فَمَنْ منكم ينجيني من عذابِ الله إن خالفتُ أمره وشرعه ..... 

 

وظل هذا الحوار بين صالح وقومه حتى طلبوا معجزةً خارقة ، قال ابن كثير رحمه الله : اجتمع قومُ ثمود يوماً في ناديهم ، فجاءهم صالح فدعاهم إلى الله وذكَّرهم وحذَّرهم ووعظهم ، فقالوا له : إن أنتَ أخرجتَ لنا من هذه الصخرة العظيمة ناقةً عُشرا ( يعني حاملاً ) ويكون من أوصافها كذا وكذا نؤمنُ بك ونصدِّقُك .. 

 

فأخذ عليهم نبيُّ الله صالح من العهود والمواثيق على ذلك ، فقام صالحُ إلى مصلاَّه فصلَّى ودعا ربَّه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا ، فأجاب الله دعاءه ، فانفطرت الصخرة عن ناقةٍ عظيمة عشراء على وجه ما طلبوا ، فلما عاينوها رأوا أمراً عظيماً ومنظراً هائلاً وقدرةً باهرةً ، ثم قال لهم صالح بعد ما خرجت الناقةُ من الصخرة أنَّ الناقة لا تُمس بسوء ، كما قال الله تعالى "ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم" . وأنّ لها يوماً تشرب فيه من البئر ولا تشاركونها فيه ولكم يومٌ لا تشارككم فيه ، كما قال الله تعالى "لها شِربٌ ولكم شِربُ يومٍ معلوم"

 

كان من عجائب هذه الناقة أنها تشرب في يومها قدر ما يشربُه أهل المدينة جميعاً ، لأنها ناقة عظيمة ومعجزة باهرة ..

 

بعد أن أخرج الله لهم الناقة وشاهدوا المعجزة ظاهرةً أمامهم ورأوا الناقة تروحُ وتجيء بينهم ، ومضت الأيام وضاقت صدورُهم بانفراد الناقة بالشُّرب من البئر يوماً كاملاً ، فعزموا على قتل الناقة ، وتناسوا ما حذَّرهم به نبيُّ الله صالح عليه السلام من هول العذاب الأليم عليهم إنْ هم قتلوها !

 

لكن النفوس العاتية التي لا تسمع موعظةً ولا تقبل نصيحة  فأبت إلا الإجرام ، فقام أشقى القوم وهو قُدار بن سالِف فعقر الناقة فسقطت على الأرض ، فابتدرها الرجال بأسيافهم يقطعونها ، وكانوا تسعة كما أخبر الله تعالى "وكان في المدينة تسعة رهطٍ يفسدون في الأرض ولا يصلحون"  لقد كان القاتلُ واحداً ، لكن حين اشترك الرجال التسعة في الجريمة قال الله "فعقروها" وقال "فعقروا الناقة وعتوا من أمر ربهم" لأنهم تواطؤا على قتلها ، قال تعالى "كذبت ثمود بطغواهاإذ انبعث أشقاها * فقال لهم رسولُ الله ناقة الله وسقياها * فكذبوه فعقروها * فدمدم عليهم ربُّهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها" ،

 

لما عقروا الناقة وخالفوا أمر الله تعالى ، قالوا لصالح : أين العذاب الذي وعدتنا وخوفتنا به ؟!! "فعقروا الناقة وعتوا من أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين" ، "فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غيرُ مكذوب"    كان موعدُ عذابهم بعد ثلاثةِ أيام من قتل الناقة ... 

 

قال ابن كثير : وأصبحت ثمود في اليوم الأول من موعد حلول العذاب وقد اصفَّرت وجوههم ،  ثم أصبحوا في اليوم الثاني وقد احمَّرت وجوههم ، ثم أصبحوا في اليوم الثالث وقد اسودَّت وجوههم ، فلما انتهت الأيامُ الثلاثة ومع شروق الشمس جاءتهم صيحة من السماء مِن فوقهم ورجفةً شديدةً من أسفلَ منهم ففاضت الأرواح وَزَهَقَتْ النفوس وسكنتِ الحركات وخشعت الأصوات وحُقَّت الحقائق ، فأصبحوا في دارهم جُثثاً هامدة ، لا أرواح فيها ولا حراك ، وكان هلاكهم بثلاثة أنواع من العذاب :

  • بالصاعقة من السماء 
  • والصيحة من صوت جبريل عليه السلام 
  • والرجفة التي زلزلت الأرض من تحت أقدامهم 

 

 أما الصاعقة : فقد قال الله تعالى عنها " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقةُ العذاب الهون بما كانوا يكسبون " 

وأما الصيحة : فقال عنها " إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدةً فكانوا كهشيم المحتضر " 

وأما الرجفة : فقال عنها " فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين " ،

 

وهكذا حلَّ بقوم ثمود العذاب ، ولم ينجُ من صالح إلا مائةٌ وعشرون آمنوا معه ، وأمَّا من هلك منهم فقد كانوا أكثر من خمسة آلاف بيت ، كما ذكر ذلك الألوسي في تفسيره .. 

 

وعاش صالح عليه السلام بعد ذلك حتى توفَّاه الله تعالى في نواحي الرَّملة من أرض فلسطين على أصح الأقوال كما ذكر ذلك ابن كثير .

 

أيها الإخوة ... إن قصة قوم ثمود هي قصةُ التكذيب والجحودِ لنعمِ الله تعالى ، وهي قصة النكوص عن أوامر الله والأمن من عقابه ، وهي عاقبة المترفين الذين اغترُّوا بالنعم وبالقوة والرِّجال ، وظنوا من فرط غبائهم أنَّ القوة التي جعلتهم ينحتون الجبال ستمنعهم من قوة الله وبطشه وعذابه ، وتناسوا قوة الله الغالبة والتي لا ترد عن القوم المجرمين ... فتلك مدائنُ صالح باقيةٌ إلى يومنا هذا شاهدةً على كفرهم ، وتلك البئر التي كانت الناقة تشرب من مائها  شاهدة أيضاً على إخلافهم لوعد الله تعالى حين قتلوها ... " وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " 

 

نسأل الله العلي العظيم أن يُعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته ...

 



 
التعليقات (1)Add Comment
...
أرسلت بواسطة طه, 05 19, 2014
السلام عليكم و رحمة الله

بارك الله فيك يا شيخنا الفاضل و جعله في ميزان حسناتك

أضف تعليق
تصغير مساحة الكتابة | تكبير مساحة الكتابة

security code

( لغير المسجلين ): الرجاء إدخال الحروف المبينة في الأعلى ...


busy
آخر تحديث: الأربعاء, 23 أبريل 2014 14:02